ماذا تعرف عن أورومو! ؟

ماذا تعرف عن أورومو! ؟

لفضيلة الشيخ/ محمد أمان بن علي

عميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية.

من المعروف تاريخيا أن سكان (قرن) أفريقيا يتكون من عنصرين اثنين:

1- العنصر السامي: كالأمهري والتجراي . وهذان العنصران يقال أنهما نزحا من الجزيرة العربية.

2- العنصر الحامي: الأصيل في المنطقة, وهذا العنصر يشكل مجموعة أوروميا والصومال وعفر…وغيرهم.

وشعب أورومو يعتبر من أكبر هذه المجموعة من حيث عددهم، ورقعة مساحة أراضيهم، إذ يحد أراضي (أوروميا) شرقا صحراء أو جادين التي يطلق عليها الصومال الغربي حاليا، ويحدها من الغرب السودان، ومن الشمال تجراي وأريتريا وعفار، ومن الجنوب كينيا، وتتكون أراضي أوروميا من هضبات وسهول يتخلل تلك الهضبات العالية وديان سحيقة أو نهار سريعة الجريان التي تحمل كميات ضخمة من الطمي. وأراضي أوروميا تعد من أخصب أراضي قارة أفريقيا، تعيش على محصولها الزراعي بعض الدول المجاورة لها.

علاقة الأوروميين بالجزيرة العربية:

وللأوروميين علاقة تجارية وسياسية قديمة مع الجزيرة العربية وقد انتشر الإسلام في قرن أفريقيا على أيدي تجار العرب ولا سيما الجنوبيين منهم، إذ حملوا إلى سكانه الإسلام مع تجارتهم وقد هاجر عدد كبير من تجار العرب إلى المنطقة، وخالطوا سكان المنطقة أثروا فيهم بكثير من عاداتهم وتقاليدهم.

والجدير بالذكر أن المذهب الفقهي الذي يتمذهب به أولئك التجار هو المنتشر في المنطقة إلى يوم الناس هذا، وهو مذهب الإمام الشافعي (محمد بن إدريس القرشي).

ومما يذكر بهذه المناسبة أنه يقال إن الملك النجاشي تربى في صباه في الجزيرة العربية حتى أجاد اللغة العربية لذا لم يحتج إلى ترجمان يترجم له كلام رئيس الوفد الذي أرسله رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى الحبشة (جعفر بن أبى طالب) رضي اللّه عنه في أثناء المحادثة التي جرت بينهما، كما لم يحتج إلى الترجمة فيما تلاه عليه جعفر من القرآن الكريم من سورة مريم في أثناء الحوار الذي دار بينهما في شأن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وفي شأن مريم عليها السلام واللّه أعلم.

أين كان مقر النجاشي؟ وأين دفن؟

إن أصحمة كان ملكا على الحبشة عند مبعث رسول اللّه عليه الصلاة والسلام. وكان مفهوم أرض الحبشة قديما أوسع مما عليه الآن، بل قد تتناول بعضا أراضي بعض الدول المجاورة في الوقت الحاضر. ومع ذلك كان مقر النجاشي في شمال أراضي أوروميا، بل في (تجراي) بالتحديد وقد ذكرت في بعض محاضراتي أن مقره كان في (أريتريا)، والصحيح ما ذكرناه هنا، وهو آخر المعلومات. وقد أخبرني شاهد عيان أن قبره معروف في (تجراي)، وإن كان القطران تجراي وأريتريا متجاورين كأنهما بلد واحد. وأما ما يقوله بعض الناس من أن مقره كان في شرق أراضي أورومو أو في بلد الصومال فخطأ فاحش، ويعد ذلك محاولة لتغيير حقائق تاريخية معروفة لدى العامة والخاصة.

أعود فأقول بعد هذا الاستطراد أن شعب أورومو على اتصال دائم بالجزيرة العربية، ولعل هذا مما ساعدهم على التمسك بدينهم واستماتتهم في سبيل المحافظة عليه. ولكن على الرغم من ضخامة عدده والحزم في تمسكه بدينه وأنه لا يبغي به بديلا، على الرغم من ذلك كله فقد عاش هذا الشعب نحو قرن منعزلا عن العالم ولا سيما العالم العربي والإسلامي، ويرجع سبب ذلك إلى الآتي: قد كان يتنافس في المنطقة عنصران اثنان:

1- العنصر الأمهري الذين يدين في الغالب بالدين المسيحي الذي دخل المنطقة بعد الإسلام بفترة طويلة.

2- العنصر الأورومي الذين يدين في أغلبيته بالإسلام. فكل عنصر يحاول السيطرة على الموقف وإظهار دينه، واستعان المسيحيون بأهل ملتهم الأوروميين ليفوزوا في هذا السباق الديني. فبادرت أوروبا فلبت الطلب فدخلت الكنائس التبشيرية المنطقة التبشيرية بكل ثقلها، فأخذت تبشر بالمسيحية وربطت الكنائس الحبشية بالكنيسة الأم بروما حتى تتمكن من محاربة الإسلام بكل ما أوتيت من صلاحيات ونفوذ محلي وعالمي.

هكذا سيطر المسيحيون على الموقف بعد أن وثقوا علاقتهم بأوربا وأمريكا سياسيا واقتصاديا وفكريا، فأنشأوا في قلب أراضي أوروميا إمبراطورية حبشية متوارثة في (أديس أبابا)، فأخذت الإمبراطورية تسوم المسلمين سوء العذاب، ولم تترك أي نوع من أنواع التعذيب والاضطهاد إلا عرض على المسلمين، انتقاما منهم على تمسكهم بدينهم واعتزازهم بإسلامهم محاولين ردهم عن دينهم، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل الذي لا يتوقعونه ولا يتوقعه أسيادهم الأوربيون، وللّه الحمد والمنة.

ويجدر بالذكر أن كثيراً من المسيحيين والوثنيين يعتنقون الإسلام طوعاً على الرغم مما يعانيه المسلمون من الأوربيين وغيرهم من المضايقة الشديدة. بل قد استطاع المسيحيون دون خجل أو حياء أن يقولوا اعتمادا على سلطانهم ونفوذهم أنه لا يوجد في الحبشة غير الدين المسيحي، وإن وجد أحد يدين بالدين الإسلامي فإنما هو من بعض الغرباء الذين نزحوا من الجزيرة العربية وهم أقلية في المنطقة.

هكذا يذيع صوت الإنجيل بأديس أبابا، كدعاية مضللة يعرف عدم صحتها قائلها قبل سامعها، ولكنه يقول ويذيع لتضليل الرأي العام العالمي.

ولقد انخدع كثير من المؤرخين والجغرافيين من المسلمين فضلاً عن الأجانب وسجلوا فيما كتبوا عن الحبشة أن المسلمين في المنطقة أقلية جداً، وأن نسبتهم لا تزيد على 40 أو         50 % بينما أن النسبة الصحيحة أن المسلمين يشكلون 70 أو 75 %. وقد سجلت هذه النسبة في بعض الجهات العالمية الرسمية كرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في بعض اجتماعات المجلس التأسيسي للرابطة.

هذا وقد آن الأوان ليعرف المسلمون في أثيوبيا على حقيقتهم من جميع النواحي على يد: (جبهة تحرير أورومو الإسلامية) التي أخذت تظهر على شاشة المسرح السياسي علناً بعد أن عملت سراً فترة غير قصيرة.

وقد كتبت جريدة المدينة المنورة نبأ يتعلق بهذه الجبهة في عددها الصادر في أول هذا الشهر الجاري جمادى الأولى 1400 هـ نقلاً عن جريدة إنجليزية (ايكونومست) نبذة عن نشاط هذه الجبهة لتلقي ضوءا على بعض الجوانب يكفي للفت نظر القراء للبحث عن الحقيقة إن شاء اللّه.

ما قاله المؤرخون عن شعب الأورومو؟

وقد وصف الأوروميين بعض المؤرخين بالبسالة والشجاعة:

فيقول الدكتور محمد صبري (مؤرخ مصري) في كتابه (إفريقيا الشرقية) ص 129:

“إن الأوروميين يمتازون عن غيرهم بالبسالة والشجاعة والإقدام، ولذلك تتألف منهم خيرة الجنود، وهم من أنشط العناصر الموجودة في شرق إفريقيا في الحرب”، كما وصفهم في الكتاب نفسه “بأن الأوروميين من أكثر الأجناس الأفريقية بهاء وروعة”.

وقد رآهم المبشر (كرايف) فأعجب بطلعتهم الحربية الفذة وطول قامتهم، وهم أذكياء يقيمون في المناطق الخصبة، ولهم منها مراع نضرة وأنعام كالهياكل (أي في الضخامة) وهم قوم ذو شجاعة وإقدام، يقيمون في الأماكن الوعرة في أعالي الجبال للبطش بأعدائهم. ومما أجمع عليه المؤرخون الأجانب أن الأوروميين اسـتطاعوا أن يحافظوا على عاداتهم وتراثهم القومي واستقلالهم عدة قرون حتى جاءت الموجات المتتالية من الاستعمار وخاصة الأحباش متعاونين مع أسيادهم الأوربيين فأخضعوهم لسلطانهم. ويقول بعض المؤرخين: “كان ذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وعند ذلك بدءوا المقاومة مع الغزاة الأجانب”.

سكان أوروميا

يتراوح  عدد سكان (أوروميا) ما بين 18- 20 مليون نسمة، ويمثل نسبة 65- 70% من سكان أثيوبيا الحالية. ونسبة المسلمين من سكان أوروميا 75%، ونسبة المسيحيببن 20%، والباقون وثنيون.

نظام التعليم عندهم:

اضطر المسلمون في الحبشة ولا سيما الريفيون منهم إلى مقاطعة المدارس الحكومية التبشيرية لما يلاحظون من أن مدارسهم تحرص على التضليل وتشويه الإسلام والنيل من الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من حرصها على التعليم والتثقيف، إذ قد يدرسون في مناهجهم بعض الكفريات التي لا يفطن لها صغار الطلبة حتى ينشأ الطلبة على تصور الإسلام تصورا خاطئا، فيظنون أنه هو السبب في تأخير المسلمين وسيطرة المسيحيين عليهم، مع قلة عدد المسيحيين وكثرة عدد المسلمين. وهي شبهة جد خطيرة كما ترى. ولست بحاجة لأجيب على هذه الشبهة على خطورتها لأن المسلمين في إثيوبيا وغيرها جعلوا يدركون أن السبب تأخرهم وتسلط أعدائهم عليهم هو بعدهم عن دينهم الحق وتصورهم الخاطئ لمفهوم الإسلام حتى ظنوا أنه صلاة وصوم وحج وزكاة فحسب ولا شأن له في السياسة والإدارة وسائر مجالات الحياة، وكأن هذه السحابة أخذت تنفشع شيئا فشيئا ليتصور المسلم أن الإسلام دين ودولة، وعقيدة وسياسة وإدارة.

البديل:

لما تأكد المسلمون من أن المدارس الإثيوبية عبارة عن دور تبشير فقرروا مقاطعتها كما أسلفنا، لم يجدوا بديلا إلا مساجدهم الأهلية التي ينشئونها على حسابهم فاتخذوها مدارس لأولادهم على نظام الحلق المعروفة لدى المسلمين الأولين قبل نظام التعليم الحديث. وإذا أراد طالب التوسع: للإطلاع على بعض المواد التي لا تدرس في تلك المساجد، هاجر إلى حيث الأزهر بالقاهرة، أو إلى السودان، أو إلى الجزيرة العربية مقر الحرمين الشريفين. هذه نبذة عن نظام التعليم في أوروميا.

ولقد حافظوا بهذا النظام على دينهم وعقيدتهم ولغة دينهم اللغة العربية، فطلاب العلم الأوروميون الموجودون في الجامعة الإسلامية حاليا والذين تخرجوا فيها وغيرهم كالدارسين في جامعة الأزهر وغيرها كلهم تخرجوا على هذا النظام المذكور، وبالله التوفيق.

بعض نظام حياتهم:

كما قاطع الأوروميون المدارس الإثيوبية للأسباب التي سبق ذكرها، استطاع الأوروميون الريفيون مقاطعة المحاكم الإثيوبية، فلا يتقدمون لها بأي دعوى في قضاياهم، فاصطلحوا أن يعالجوا مشكلاتهم بالتفاوض فيما بينهم حتى تنتهي المفاوضة إلى الصلح، (والصلح خير).

وبالنسبة لجريمة القتل اصطلحوا على أن أولياء الدم لا يطالبون بالقصاص، بل يتنازلون إلى الدية والدية تتحملها قبيلة القاتل، لأن إقامة حد القصاص فيه لفت الدولة كما لا يخفى، إلا أن المصلحة تقتضي حل مشكلتهم بالصلح على الدية كما قلنا.

ولهم نظم كثيرة خاصة استغنوا بها عن القانون المتبع عند الأحباش، وبعض تلك القوانين خاضع للدراسة حتى يرى هل يوافق الشريعة الإسلامية أو فيها نوع من المخالفة للشريعة!!

وبعد:

وفي ختام هذه النبذة التاريخية لابد من الإجابة على هذه الاستفسارات التي تفرض نفسها بهذه المناسبة:

1- من رئيس جبهة تحرير الأورومو؟

2- أين توجد قيادتها حاليا؟

3- ما موقف الدول المجاورة منها؟

للإجابة على هذه الاستفسارات نقول:

ج1 ـ رئيس جبهة الأورومو: هو (عبد الكريم بن إبراهيم حامد) ولقبه الثوري: (جارا أبا ثمدا) وهو من أبناء الأورومو المخلصين من إقليم هرر، وهو معروف ببطولته وشجاعته لدى الخاصة والعامة، بل معروف لدى جيرانه الصوماليين حكومة وشعبا لأنه قد عاش في الصومال عندما كان يسعى لتفجير ثورة مسلحة في أثيوبيا.

وبجانب بطولته وشجاعته وإخلاصه لوطنه، معروف لدى الجميع بالتمسك بتعاليم دينه ظاهرا وباطنا، وكان يلزم جيشه بالتمسك بتعاليم الإسلام، وألا يحصل منهم تعد على الأموال والأعراض في أثناء الحرب مع العدو، وألا يأخذوا شيئا من أموال الشعب بدون إذن أو رضى منهم.

وبهذا الموقف الإسلامي ملكَ قلوب الناس، فأصبح كل فرد منهم يعتبر نفسه جنديا من جنود عبد الكريم ولو لم ينضم إليه رسميا في المعارك. هذا هو رئيس الجبهة.

ج 2- أما مقر قيادة الجبهة فهي أراضي أوروميا الواسعة، وليس في الإمكان أن نحدد الآن المقر الرسمي، إلا أننا نستطيع أن نقول: إن الجبهة ولدت في إقليم هرر، ولما قوي ساقها وقامت على رجلها تدرجت إلى الإقاليم، لهذا يعتبر أي شبر من أراضي أوروميا مقراً لقيادة الثورة. كما أن جميع أبناء الأورومو المخلصين يعتبرون جنودا لهذه الجبهة.

ج 3- أما موقف الدول المجاورة كآلاتي:

جمهورية الصومال فهي تعرف من هذه الجبهة ما لا يعرف غيرها.

ولقد حملت إلينا بعض الصحف السعودية في هذا الشهر مرتين أنباء تفيد بأن جمهورية الصومال أعلنت اعترافها بالجبهة. وفي الأيام القليلة المقبلة يتضح الموقف.

وجمهورية السودان موقفها قريب من جمهورية الصومال.

وعن قريب نتحدث عن هذه النقطة إن شاء اللّه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *